عبد الملك الجويني

257

الشامل في أصول الدين

القدرة . فإذا لم نقل بهذا الأصل لم يلزمنا الخوض في تفصيله . فإن قالوا : نفرض عليكم الكلام فيمن التصقت أنملته بشيء ، فدفع الأنملة عنه مقدور ، إذ هو في محل القدرة . قلنا : هذا تكلف منكم مع غفلة من مذهب الخصم . وذلك أن القدرة على رفع الأصبع لا تثبت قبل رفعها ، وإذا ارتفع وثبتت القدرة عليه فلا نتبين مع الرفع مكابدة ، إذا المعاناة في الشيء ، قبل حصوله . والحاصل لا معاناة فيه . ولا قدرة عندنا إلا على حاصل إذا كانت القدرة حادثة . فلا يستقيم لهم تصوير الكلام معنا في صورة الاتفاق ، إلا بأن نسلم لهم القول بالتولد جدلا . فلو سلمناه لم يكن فيما قالوه حجة . وذلك أن للقائل أن يقول : إنما يصعب تفكيك بعض الجواهر بأن يخلق اللّه تعالى فيها أكوانا يخصصها بجهاتها أكثر مما يحاوله العبد ، فلا يوجد فعل العبد كذلك . والذي يوضحه : أن رجلين إذا تجاذبا بينهما حبلا وكان أحدهما شديدا آبدا فلا ينجر الحبل إلا في جهته ، وإن كان لو أراد الآخر جرّ الحبل عند انفراده لانجر بما فعله من الاعتمادات ، ولكن إذا خالفه وغالبه فغلبه لم يثبت فعله . فكذلك يروم العبد إثبات مباينة ، والرب تعالى يخلق في الجوهرين مجاورات فيبقيان متجاورين ، فتؤول صعوبة التفكيك وتفصيلها إلى ما ذكرنا . أو نقول : القصبة لو مدت طولا ، لم تنقطع ولم تنقصف وإن عظمت الاعتمادات ، ولو لويت لتكسرت وانقصفت . والتأليف المقتضي صعوبة التفكيك ليس يختلف بتقدير الاعتمادات في بعض الجهات دون بعض . ولو كان الأمر في صعوبة التفكيك يتعلق بالتأليف ، لما تحقق فيه اختلاف . والذي يوضح ذلك : أن الصخرة الصماء نوقد عليها النيران فتتصدع الصخرة إذ أحماها التهاب النار . والياقوتة الحمراء لو أوقدت عليها النار أحقابا لما تصدعت ، كيف ولا تحميها النار ، بل تبقى على ما كانت عليه قبل مسيس النار . وأعجب من ذلك أن من الجواهر ما يزداد على النار تصلبا ، ومنها ما يتفتت على النار كالخرق . وكل متخذ من تراب لا يزداد على ملاقاة النار إلا تصلبا . والصخور الصم تتفتت وتصير رمادا . فدل أن الأمر في ذلك ليس يتعلق بالتأليف ، وإنما هي عوائد أجراها اللّه كما شاء . فإن قالوا : إنما الذي ذكرتموه في الياقوت فإنه لا تخلخل فيه ، ولا تجد النار مدخلا في خلله ، وليس كذلك ما سواه . وهذا الذي ذكروه لا محصول له . فإن الخرق أشد تخلخلا من الصخور . والتصدع أسرع إلى الصخور عند العرض على النار من الخرق منه إلى